نذير حمدان

302

حكمة القرآن والحضارة

جامعة بين المسألة المادية وحكمتها العقلية ، ومثله تلك ( الحياة ) الآمنة العادلة المستقرة المحافظة على الدماء ثم حقوق الناس عموما في قوله في القصاص وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ فإن شمولية جميع ألوان الحياة الصالحة تتحقق في حكم القصاص . وإذ إنه ربط الحكمة المعقولة بمسألتها حين يتأملها الناس فإنه عقب عليها بقوله يا أُولِي الْأَلْبابِ ثم في حكمة تالية هي الوقاية من فوضى الدماء وعبث المستغلين وتسلط الظالمين لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هكذا في شمول التقوى المنفر من أعنف جريمة يرتكبها منحرف ، والمنفر من غيرها من الجرائم تبعا . وإذا كانت معقولية الجمال تنفي العبثية والفوضوية بسبب طرح مسائل أو أحكام غير معللة أو تنفي مثل هذا التفسير المرفوض والذي يؤدي إلى جمود الوقائع المجردة فإن من أهم وضعها المعقول نفي التسلط العرفي في خضوع الإنسان لأقوال أو آراء من غير أن يتعرف على أسبابها وحكمتها حتى يقع فريسة التقليد الآبائي المتعسف ، بينما تمنحنا تراكيبها متسقة مقنعة ملبية للوجدان الجمالي . ولذا فإن إعلان هذه الحكم مسألة حضارية تقصد إقناع الناس بالنظام أو القانون وليس عرفا قبليا يجبر الأفراد على قبوله والعمل به معطلين عقولهم وإحساسهم الجمالي بها وبمنفعتها واتساقها . ج - والحيوية : وهي ثمرة أو نتيجة للتناسبية والمعقولية ، وتبدو في وجوه ومسائل عديدة : إنها ظاهرة في رغبة المتحاكم بالحكم وإن حجبت أحيانا بالعناد ، وفي تفيء المسائل المشابهة بظلالها وتأثرها بحكمتها وإن غيبها أو غيب بعض مسائلها متحيزون ، وفي تجاوز البيئة المحدودة إلى عالم أكثر اتساعا وإن جحدها مغرضون ، وأخيرا فإنها تتغلغل في الحياة الفكرية والقانونية لمن يعرفون قيمتها ، حتى إن البسطاء من الناس تحيا معهم بمعقوليتها ومنفعتها فيحرصون عليها أكثر مما لو لم يطلعوا عليها أو لم تدخل في حياتهم وتقنع بها عقولهم . فأية مسألة لا تنبض بالحياة إلّا مع حكمتها أو علتها ، ولا تتحرك في النفس قبولا أو رفضا إذا أجبرت عليها الإرادة وقسرت لها الحرية . فالنظافة في القرآن تشمل النواحي الحسية والمعنوية وهي حكمة لكل منهما ليست للبيئة العربية متنزل آية وحدها ، وإن ظهرت فيها بأجلى روعتها ، وإنما هي للإنسان عامة يتحرر بسببها من درنه وأخطائه ، فالصدقة لتطهير